وربطّتُ لساني الذي لم يقدر على سرد ما ينعم به وجدان قلبي من حقيقة.
واعتكفت بين أضلُعي حيث يتواجد قلبي سر عرفاني ورؤياي.
فحُب قلبي، هو وحده القادر على أن يُشبع العطشان من نبيذ عشقي ونجواي.
فلم أشعر بطول مسافة طريق العشق، التي لا يوجد فيها مكاناً ولا زمان.
فسلكت الطريق راقصاً بين سماء الوجود، كاتباً عنها أبيات شعراً وديوان.
فلّ تشرق الشمس من المغرب، وإن شاءت فل تغرب من الشرق.
وإن شئتِ أيتها الأرض، فثوري! واضربي في سماءك الرعد والبرق.
فمهما سعوا البشر في الأرض فساداً وبلغوا بها الأفاق.
فلن يؤثر ذلك في تعكير صفوا أهل الطريق الذين أصبحوا عُشّاق.
أتذكر تلك الليلة التي ذُبّت فيها في الوجود ولم أعد أرى نفسي.
فقال الوجود " أنا هو أنت، وأنت هو أنا، فلا توجد نفسك ولا نفسي.
فندبت وصرخت هولاً قائلاً بعظّمِ لساني: " يا ويلتاه!، فما هذا الذي أنا مُقبلاً عليه.
فأنا كحبة الزبيب التي لا تكاد أن تُرى في هذا الكون الفسيح الذي لا نهاية له.
فلما أخترتني لضعف قوتي، ولصغر سنّي من بين الخلق أجمعين.
فأنا عربيداً، أعانق النساء، وأرتوي بالنبيذ الأحمر عندما يُسمع ناقوس الليل، ويسقط الجميع نيام.
فقال الوجود: " لقد أخترتك لقلبك الذي لا يسّكر مهما شرب من كؤوس النبيذ. ولقلبك الذي إذا عانق، عانق بحب وذاب في المعنوق، كما يذوب السُكَّر في الماء ولا يتبقى منه شيئاً ولا أثر.
فاشتد صراخي، وزادي نواحي هولاً وخوفاً مما أسمعه من صوت الوجود الذي يتحدث في قلبي.
وكأن عيناي بدأت ترى نجوم السماء التي تشكّلت على شكل جسر، مكتوباً في أعلاه رسالةً عتيقةً تقول: " امشي بأقدامك على هذا الجسر الذي سيحولك من أنساناً أرضياً إلى روحاً سماويةً في أعلاه.
فاتخذت خطواتي أتجاه سلك جسر الحقيقة الذي سرعان ما ظل يأخذ أقدامي لقمته السماوية.
ومع كل خطوةً أخطوها تذّرف عيناي دمعاً، وتتفتح فيه دراعي أكثر وأكثر، حتى وجدت نفسي أدور حول جسدي وأقول: " يا مرحباً بالملكوت الذي خطفني من أهلي وأصدقائي، فيا ويحثاه، فقد أحببتك أكثر من أمي وأبي الذين يغطّون في نوماً عميقً في هذه الليلة الباردة. فأشهد أن دراعي لم تحضن أي حضناً أكثر دفئاً من حضنك الذي جعلني أذوب ولا يتبقى مني شيئاً.
فإنك تؤخذني بهدوء ولطف إليك، كما تؤخذ الأم رضيعها إلى ثديها لتُغدّيه بما لا يتواجد في غيرها".
فهنالك ذُبت، وهنالك قُضي عليّ، وانكسر المنطق في وجداني، واحتضر عقلي الذي كان يوهمني أنه يرى الحقيقة بنوافذ الرأس وهما العينان والاذنان.
ورأى قلبي مالا تراه عيون عامة البشر ...
حتى أدركت أن للقلب عيناً ترى مالا تراه العيون التي تسكن في مقدمة الوجه.
فالعين يمكن أن يصيبها العمى من وهج الوجود وجماله، فتنطفأ ويضيع بريقها.
أما عين القلب فترى مالا تراه العيون، وتسمع مالا تسمعه الأذنان.
وإن طن الإلهام في القلب، لاستمعت الروح إلى الرسالة بكل جوانبها وجوارحها لصوت الوجود الذي لا لسان له لينطق به. غير همسات تؤخذك لبستان العارفين الذين عرفوا مالا يعرفه عامة العارفين من البشر.
فهنالك تختفي، وهنالك خلودك الذي لا يفنى، وعبيرك الذي لا تنتهي رائحته الزكية مهما أشتد عطرها وزاد بريق جمالها وهجاً واشراقا.
ذلك هو العشق ...
حيث استسلمت للوجود وانفجر العشق بداخلي قائلاً: " أنت تستسلم لأنت، ولكنك لا تدري".
فأدركت أن كينونة الوجود هي روح الأنسان والنبات والحيوان والجماد، وكل ما يهب على الأرض، وكل ما هو ساكناً ولا يتحرك.
حيث أصبح كل ما حولي بهجةً واحتفالاً، كما يحتفل الجسد بكل نبضةً ينبضها القلب، مما تجعله حياً لثانيةً أخرى.
فلا أحد يضمن الشهيق بعد إخراج الزفير، ولكن يمكنك أن تضمن استمتاعك بالزفير، حتى لو لم يتبعه الشهيق في المقابل من الجهة الأخرى.
فالعاشق يعيش في عشق الوجود بكل ما تحمله الكلمات من معنى. ويضرب البنّدير ضربتً في منتصف الليالي، لتجعل الروح تقف راقصةً بخُصّرها الذي يترنح مع كل ضربةً يضربها العاشق على البندير. الذي يوقظ الروح من سُبات العقل والنوم في الجسد الخامل.
فديواني الذي تكتبه أصابعي هو أنثوياً بالمطلق. ففقط الأنثوية التي من المشاعر قد صُنِعت، تفهم معنى الغوص في بحر الروح.
فطوبى لكل ذكراً أيقظ الأنثى التي فيه، ورقص معها رقصة العشق تحت ضوء البدر المُكتمل، بين ضفاف البحيرة التي ترقص أسماكُها وحيتانها من طرب العشاق وتمايلهم في العشق الوجودي.
حيث يدور الجسد حول نفسه بدون مملاً او كللاً أو تعب. ومع كل لفةً يلتف فيها الجسد على نفسه يتحول إلى بركان من الحب، الذي تفيض قمّته بنار الحقيقة التي من حرارتها، تَحوّل لونها إلى الأحمر.
وتفيض مشاعره عشقاً، كما يفيض المحيط معبراً عن بهجته على هيئة طوفان ينفجر، ليمتد طوفانه إلى الصحراء القاحلة، فيشرب منه كل من في الخيام البعيدة هناك.
فالعشق ليس أكثر من انفجار يحدث في الذات، ليُفجِر كل ما يحمله قلبك من حقداً ومكراً وخبثً، ليتحول إلى أرضً قاحلةً جاهرةً لوضع البذور في ترابها، لتنمو بساتينها وتصبح أرضاً طاهرةً من جديد.
فأعطني يداك لأدخلك في عالمي، واسقيك بماء العشق الذي سيعيد لقلبك نبضه الحقيقي. ويغدي روحك بطعامها الأصلي الذي يوصلها إلى أعلى عليّين، حيث يتواجد العارفين من أهل الطريق.
فطوبى لمن ذاب في الوجود، وطوبى لمن أدرك السر العميق الذي فيه.
فأحتفظ بالسر الذي فيك، ولا تُسلمه لغير الباحثين عنه.
ولا تُكثر الكلام مع الذي
بالعِناد والجهلِ سلَكَ سبيلاَ
فلو قلت له السُم للموت يؤدّي
لقالَ ما ضرّ منهُ قليلاَ